ابن رشد

44

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

أما في مجال علم الكلام فان ابن تومرت يرى أن الاعتماد فيه على قياس الغائب على الشاهد يؤدي إلى التشبيه لا محالة . ذلك : " أن الموجود المطلق ( - الله ) هو القديم الأزلي الذي استحالت عليه القيود والخواص ، والمختص بمطلق الوجود من غير تخصيص ولا تقييد " . « 43 » ولذلك لا يجوز قياسه بعالم الشهادة ، عالم الطبيعة والإنسان الذي كله تقييد وتخصيص ، يقول : " بطل قياس الغائب على الشاهد إذ لا جامع بينهما لأن كل واحد منهما مضاد للآخر ، ولأن ذا ( - الله ) يفعل وذا ( - العالم ) لا يفعل ، وذا قديم وذا محدث ، وذا مفتقر وذا غني . فإذا قيس أحدهما على الآخر بطلت حقيقتهما جميعا ، لأن القياس إنما يصلح بين المتماثلين ، وبين المختلفين إذا كان بينهما شبه ، والله سبحانه ليس له مثل ولا شبه فإذا بطل هذا بطل به التشبيه وبطل به قياس الغائب على الشاهد " . « 44 » وواضح أن ابن تومرت يربط هنا التشبيه والتجسيم اللذين اتهم بهما المرابطين بقياس الغائب على الشاهد ، ومن هنا كان النقد الإيبستيمولوجي نقدا إيديولوجيا كذلك . مما تقدم يتضح بجلاء أننا هنا بصدد عملية نقل ل " ظاهرية " ابن حزم من مستوى المشروع الفكري إلى مستوى " الدعوة " ، مستوى العمل . . . وابن تومرت من هذه الناحية تلميذ لابن حزم ، ولا علاقة له مع الغزالي - الذي يزعم أنه التقى به في بغداد - ولا مع المذهب الأشعري ، فنقده للاستدلال بالشاهد على الغائب ، ودعوته إلى الرجوع إلى الأصول يبعدانه عن الأشعرية تماما . وليس صحيحا على العموم ما يقال من أن الدولة الموحدية التي أسسها ابن تومرت ومرافقه عبد المؤمن بن علي كانت أشعرية المذهب . لقد كان الموحدون ( وهذا هو الاسم الذي أطلقه ابن تومرت على أصحابه وبقوا يحملونه طوال عهدهم بالملك ) أصحاب مذهب مستقل في التوحيد ، فيه جوانب أشعرية وأخرى معتزلية وعناصر كثيرة أساسية من " ظاهرية " ابن حزم ، إضافة إلى فكرة " الإمام المعصوم " الشيعية التي وظفها ابن تومرت سياسيا في أول الأمر لجمع الناس حوله ، وقد ألغى الخليفة الموحدي المنصور شعار " الإمام المعصوم المهدي المعلوم " عندما صارت الدولة الموحدية في غنى عنه سياسيا أي عندما توطد حكمها وبلغت قمة عظمتها . وإذن فلا معنى لاستغراب بعض الباحثين المعاصرين من كون ابن رشد ، الذي عاش في كنف دولة الموحدين وداخل بلاطها ، قد تصدى لنقد المذهب الأشعري بلهجة حادة أحيانا ، كما سنرى في الكتاب الذي بين أيدنا . ذلك أن الدولة الموحدية لم

--> ( 43 ) نفسه . ص 195 - 196 . ( 44 ) نفسه . ص 168 .